الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

365

انوار الأصول

كذلك لا يمكن المساعدة على ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله من إرجاع القيود إلى الموضوع ( كالعصير المغلي وكالمستطيع في مسألة الحجّ ) . فالصحيح في حلّ الإشكال تحليل ماهية الواجب المشروط ، فنقول : قد مرّ في محلّه أنّ فيه مذهبين : مذهب الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله من أنّ القيود الموجودة في الواجب المشروط ترجع إلى الواجب لا الوجوب ، أي أنّها ترجع إلى مفاد المادّة لا الهيئة ، ولذلك ترجع عنده جميع الواجبات المشروطة إلى الواجبات المعلّقة في الواقع واللبّ ، ومذهب المشهور وهو أنّ القيود قيود للوجوب ( لا الواجب ) كما هو ظاهر القضيّة الشرطيّة ، ولكن المعضلة الكبرى في هذا القول الذي يجب حلّها هو أنّ إنشاء الوجوب نوع من الإيجاد ، وهو شيء أمره دائر بين النفي والإثبات ، فكيف يتصوّر فيه التعليق ؟ ولذا ذهبوا إلى بطلان التعليق في العقود . وقد مرّ منّا في محلّه من الواجب المشروط طريق لحلّ هذا الإشكال ممّا ينحلّ به إشكال التعليق في الإنشاء وإشكال الاستصحاب التعليقي في المقام أيضاً ، وحاصله : أنّ الأحكام على قسمين : قسم منها تنجيزي كقولك لزيد : « اذهب إلى السوق » ، وقسم منها تعليقي ، وهو ما يصدر بعد فرض شيء كقولك : « إن جاءك زيد فأكرمه » ، فالقضيّة الشرطيّة عبارة عن إنشاء حكم بعد فرض خاصّ ، وهو مفاد إنّ الشرطيّة أو كلمة « اگر » في اللغة الفارسية عند مراجعة الوجدان ، فقولك : « إن جاءك زيد فأكرمه » عبارة أخرى عن قولك : « يجب عليك إكرام زيد على فرض مجيئه » فالقيد وهو مجيء زيد راجع إلى مفاد الهيئة وهو وجوب الإكرام ، لا مفاد المادّة وهو نفس الإكرام . وإن شئت قلت : المتكلّم قد يرى أنّ زيداً قد قدم فيقول : « قم يا غلام وأكرمه » وأخرى يعلم أنّ زيداً لم يجيء بعد ، ولكن يتصوّر ويفرض قدومه فيُظهر شوقه إلى إكرامه حينئذٍ ، فينشئ وجوب الإكرام في هذا الفرض الذي هو مفاد « ان » و « اگر » ، فيقول : « إن جاءك زيد فأكرمه » ، فليس هناك تعليق في إنشائه ، كما أنّه ليس هناك إنشاء فعلي ، بل هو إنشاء بعد فرض ، فلذا لا أثر له إلّا بعد تحقّق ذاك الفرض ، فإنّ هذا هو المعنى المعقول في القضيّة الشرطيّة . ولذلك قلنا في محلّه أنّ التعليق في العقود ليس بمحال عقلًا بل هو من قبيل القضيّة الشرطيّة فيمكن أن يقال : « بعتك إن جاءك زيد » فيكون هو تمليكاً على فرض ، نعم المانع من صحّته الإجماع أو عدم كون مثل هذا العقد عقلائياً ، وبهذا يظهر أنّ للحكم التعليقي ( أي الحكم على فرض ) أيضاً حظّ من الوجود فيمكن أن يستصحب .